الشيخ الطبرسي

18

تفسير مجمع البيان

واختلف في هؤلاء من هم ، فقيل : هم قريش ، عن ابن عباس . وقيل : هم أهل مكة الذين عاهدهم رسول الله يوم الحديبية ، فلم يستقيموا ، ونقضوا العهد بأن أعانوا بني بكر على خزاعة ، فضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد الفتح أربعة أشهر ، يختارون أمرهم : إما أن يسلموا ، وإما أن يلحقوا بأي بلاد شاؤوا ، فأسلموا قبل الأربعة الأشهر ، عن قتادة ، وابن زيد . وقيل : هم من قبائل بكر : بنو خزيمة ، وبنو مدلج ، وبنو ضمرة ، وبنو الدئل ، وهم الذين كانوا قد دخلوا عهد قريش يوم الحديبية إلى المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين قريش ، فلم يكن نقضها إلا قريش وبنو الدئل من بكر ، فأمر بإتمام العهد لمن لم يكن له نقض إلى مدته . وهذا القول أقرب إلى الصواب ، لأن هذه الآيات نزلت بعد نقض قريش العهد ، وبعد فتح مكة . ( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ) معناه : فما استقاموا لكم على العهد ، أي : ما داموا باقين معكم على الطريقة المستقيمة ، فكونوا معهم كذلك . ( إن الله يحب المتقين ) للنكث والغدر ( كيف وإن يظهروا عليكم ) : هاهنا حذف ، وتقديره : كيف يكون لهم عهد ، وكيف لا تقتلونهم ، وإنما حذفه لأن ما قبله من قوله : ( كيف يكون للمشركين عهد ) يدل على ذلك ، ومثله قول الشاعر يرثي أخا له قد مات : وخبر تماني أنما الموت بالقرى فكيف وهاتا هضبة وقليب ( 1 ) أي : فكيف مات ، وليس بقرية ؟ ومثله قول الحطيئة : فكيف ولم أعلمهم حدلوكم * على معظم ، ولا أديمكم قدوا ( 2 ) أي : وكيف تلومونني على مدح قوم ، وتذمونهم ؟ فاستغنى عن ذكر ذلك ، لأنه جرى في القصيدة ما يدل على ما أضمره . ومعناه : كيف يكون لهؤلاء عهد عند الله ، وعند رسوله ، وهم بحال أن يظهروا عليكم ، ويظفروا بكم ، ويغلبوكم ( لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ) أي : لا يحفظوا ، ولا يراعوا فيكم قرابة ، ولا عهدا . والإل : القرابة ، عن ابن عباس ، والضحاك . والعهد ، عن مجاهد ، والسدي ، والجوار ،

--> ( 1 ) قائله كعب بن سعد الغنوي . والهضبة : الجبل . الرابية . ( 2 ) حدل حدلا وحدولا : جار وظلم . وفي التبيان : ( خذلوكم ) بمعجمتين . ( وقد الأديم ) قيل ههنا كناية عن هتك العرض .